أحمد بن علي القلقشندي

182

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

واستضيء فيه بنور التّوفيق ، واستصحب فيه من استخارة اللَّه خير رفيق - أمر الحكم العزيز وتفويضه إلى من وسّع اللَّه تعالى مجال علمه ، وسدّد مناط حكمه ، وطهّر مرام قلبه ، ونوّر بصره في الحكم وبصيرته فأصبح فيهما على بيّنة من ربّه ، فأجرى الحق في البحث والفتيا على لسانه ويمينه ، ونزّهه عن إرادة العلم لغير وجهه الكريم ، ونبّهه على ابتغاء ما عند اللَّه بذلك واللَّه عنده أجر عظيم . ولما خلا منصب قضاء القضاة بطرابلس المحروسة على مذهب الإمام الشافعيّ رضي اللَّه عنه : وهو المنصب الَّذي يضيء بالأئمة الأعلام أفقه ، وتلتقي بالفضلاء الكرام طرقه ، وتحتوي على أرباب الفنون المتعدّدة مجالسه ، وتزكو بالفوائد المختلفة مغارسه ، وكان فلان هو الَّذي أشير إلى خصائص فضله ، ونبّه على أنّ الاجتهاد للأمّة أفضى إلى إسناد الحكم منه إلى أهله ، وأنّه واحد زمانه ، وعلَّامة أوانه ، وجامع الفضائل على اختلافها ، وقامع البدع على افتراق شبهها منه وأتلافها ، وحاوي الفروع الَّتي لا تتناهى ، والمربي على ربّ كلّ فضيلة لا يعرف غيرها ولا يألف سواها - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نجزم من ارتياده لهذه الرتبة بهذا الرّأي [ السديد ] ( 1 ) ، وأن نقرّب سراه إلى هذا المنصب الذي ناداه بلسان الرّغبة من مكان بعيد . فلذلك رسم بالأمر الشّريف - لا زال إحسانه كالبدر ، يملأ المشارق والمغارب ، وبرّه كالبحر ، يقذف للقريب الجواهر ويبعث للبعيد السّحائب - أن يفوّض إليه كذا . فليطلع بذلك الأفق الَّذي يترقّب طلوعه رقبة أهلَّة المواسم ، ويسرع إلى تلك الرّتبة الَّتي تكاد تستطلع أنباءه من الرياح النّواسم ، وينشر بها فرائده الَّتي هي أحقّ أن تطوى إليها المراحل ( 2 ) ، ويقدم بها على الأسماع الظَّامية لعذب

--> ( 1 ) الزيادة لما يتناسب مع عادته في التسجيع . ( 2 ) المرحلة : المسافة الَّتي يقطعها المسافر في يومه .